عبد الملك الجويني

231

الشامل في أصول الدين

والذي يوضح ذلك : أن الجوهر إذا زال عن مكانه الأول إلى الثاني ، فقد قال المحققون : نفس حركته إلى المكان الثاني سكون فيه ، وسنعقد في ذلك فصلا إن شاء اللّه . ومعلوم أنه لم يدم كونه في المكان الثاني في أول حال حصوله فيه ، وسمي مع ذلك ساكنا . فبطل التعويل على ما قاله هذا القائل . وليس ذلك كما استشهد به هؤلاء من إطلاق لفظ البقاء ، فإنه يستحيل أن يقال : بقي الشيء وقتا واحدا . ولا بعد في أن يقال : سكن وقتا واحدا . وسلك الأستاذ أبو إسحاق طريقة تداني القاضي ، وذلك أنه قال : السكون في الحالة الأولى سكون في حكم حركة . فأما كونه سكونا فقد حققناه . وإنما كونه هو في حكم حركة فإنما أراد به كون ليس قبله كون . وهذا عين مذهب القاضي . فإذا وضحت هذه الطريقة فوجه الجواب مترتب عليه . فإن المخالف زعم أن الكون في الحالة الأولى كونا ليس بحركة ولا سكون . ونحن قد أوضحنا كونه سكونا ، وفيه دفع السؤال . ثم نقول : لو قدرنا في الحالة الأولى كونا ليس بحركة ولا سكونا ، فلم زعمتم أن الكون في الحالة الثانية ليس بحركة ولا سكون ؟ ولو جاز التسوية بين الحالتين واعتبار إحداهما بالأخرى ، لجاز أن يقال : تمتنع الحركة والسكون في الحالة الثانية كما امتنعا في الحالة الأولى ، وهذا ما لا مخلص لهم منه . ومما يتمسكون به أن قالوا : إذا زعمتم أن المماسة معنى زائد على الاجتماع ، فبم تنكرون على من يقدر الأقسام التي ذكرتموها زائدة على الكون ؟ قلنا : اختلف أئمتنا في ما ذكرتموه من المماسة ، والأولى إفرادها بالذكر بعد ذلك . فصل [ ضروب من تمويهات النظّام ] اعلموا وفقكم اللّه أن النظام لما نفى تناهي الجواهر ، وألزم على قضية مذهبه ألا تنقطع مسافة أبدا ، ولا ينتهي متخط من قطر إلى قطر على ما سبق إيضاح القول في صدر الكتاب . فقال النظام : إنما تنقطع المسافة بتخلل الطفرات . وقد ذكرنا مراده بها ، فلما أنكر عليه مقاله وسفه فيه عقله ، تشبث بضروب من التمويهات ، وصور أنواعا من الأشكال . ونحن نذكر ما نتوقع فيه الغموض والأشكال ، وننفصل عن تمويهاته مستعينين باللّه تعالى . فمما تمسك به أن قال : إذا تركب ثلاثة من الجواهر طولا على هيئة خط ، فهو مشتمل على طرفين وواسطة . فلو كان على طرف أحد الخط جوهر فوقه ، ثم تزحزح الحظ ، وزال